" data-navigation-offset="75px" >

سلسلة مقابلات مع أشخاص مميزين وخبراء في سوق العمل _المهندس يزن مهنا_

“اتجِهْ إلى قطّاع التعليم، أنا مؤمن ٌبإمكانياتِكَ، وبعد عشرِ سنوات ستكونُ في مكانٍ يليقُ بكَ جداً”
بهذهِ النصيحة من عميدِ الدراساتِ العليا في الهندسة المدنيّة من جامعةِ مروادي بدأتْ رحلةُ المهندس يزن مهنا الغنيّة وتجربتهُ المميّزة من نواحي عديدة ومجالات متنوعة.
فمَنْ هوَ المهندس يزن مهنا، وما هيَ قصةُ نجاحِه؟

في البداية كيف تحبّ أن تعرّف عن نفسك؟
يزن مهنا، مهندس مدني سوري من مدينة جبلة في محافظة اللاذقية، أعيش في الهند، درستُ الهندسةَ المدنيّة في جامعة ماروادي الهندية وحالياً مدرّس جامعي، ناشِط، مدوّن ومُناظِر دوليّ.

ما هو سِرّ اختيارِكَ لهذهِ (المهنة-الاختصاص-المجال)؟
اخترتُ الهندسةَ المدنيّة لأنها إحدى الهندسات الاستراتيجيّة، وواحدة من أكثر الهندساتِ حيويّة، فضلاً عن تأثري بخالي وهو مهندسٌ مدنيّ، فمنذُ صِغري أحببتُ أن أكونَ مهندساً مدنياً، كما أنَّ الظروف التي تمرُّ بها البلاد تلاقَتْ مع هذه الأمور كلّها وشكلّت لديَّ فكرةً وخطّةً كاملة. حيث مِن المُفترضِ أن تكونَ بلادنا مقبلة على مرحلةِ إعادة إعمار عاجلاً أم آجلاً، فهذا القطّاع سينتعشُ في سورية لعشراتِ السنين القادمة كهندسات مدنيّة ومعماريّة وغيرها … فاخترتُ الهندسة المدنيّة. إضافةً لكلّ ذلك فإنّ الهندسة المدنيّة هي لبنةُ الحضارة ِالأولى، حيث بدأتْ الحضارة عندما قررَ الإنسان بناءَ أوّل سقفٍ يحميهِ من قسوةِ الطبيعة وللتأقلم معها، فتطوّرَ الأمرُ ووصلنا إلى ما نحنُ عليهِ الآنَ من حضارات.
أمّا عن مهنةِ التدريس الجامعيّ في الهندسة المدنيّة فهي جاءَتْ لسببين، الأوّل شخصيّ فقد كان أحد أحلام الطفولة أن أكونَ مدرّساً جامعياًّ، بالإضافة إلى نصيحةِ عميدِ الدراسات العليا في الهندسة المدنيّة في جامعة مروادي التي درستُ فيها بكالوريوس الهندسة المدنيّة، حيث قالَ لي “اتجه إلى قطاع التعليم، أنا مؤمنٌ بإمكانياتكَ، وبعد عشرِ سنوات ستكون في مكانٍ يليقُ بكَ جداً”، بعد ذلك أتتني عروض مِن جامعتَين هنديتَين للتدريسِ بصفةِ مساعِد بروفيسور (assistant professor ) (مُعيد)، واخترتُ إحداهما وهيَ جامعة RK university في ولاية “غوجارات” الهنديّة، وخضعتُ لمقابلاتٍ وامتحاناتٍ شفهيّة أكاديميّة وشخصيّة مع رئيسِ الجامعة ومن ثمَّ مالِكِها، فرئيسُ المواردِ البشريّة ولجنة علميّة من كليةِ الهندسة المدنيّة برئاسة عميدِ الكلية، وتم قبولي وتوقيع العقد.

ما رأيُكَ بواقعِ العمل بهذا المجال محليّاً وعالمياً؟ وما هيَ العقبات التي تواجهُ ممارسي هذه المهنة في الوضع الراهن؟
محلياً وعالمياً يعاني قطاع الهندسة المدنيّة من تحدياتٍ عدة أهمها الفجوة الكبيرة بين سوق العمل ومتطلباتِه الكثيرة في ظل التنافسيّة العالية وكثرة أعداد الخريجين من جهة والواقع التدريسي في أغلب الجامعات من جهة أخرى، حيث يعتمدُ التأهيلُ والتدريسُ الجامعيّ على المواد النظرية بينما يقتصرُ الجانب ُ العمليّ على المخابر في أغلب الأحيان. فضلاً عن أنَّ الجامعات تؤهلُ الطلاب والمهندسين من الجانب الهندسيّ فقط، بينما لسوقِ العملِ الدوليّ اعتبارات أكبر من ذلك بكثير تتمثل في الذكاء واختباراتِ الذكاء التي يجرونَها في مختلفِ قطاعات الحياة وليسَ فقط هندسياً، بالإضافة إلى اختباراتِ الشخصيّة، حيث يُتَوَقَع من المهندس المدنيّ أنْ يتمتّعَ بشخصيةٍ مرنة قادرة على تحمّلِ ضغوطِ الحياة والعمل والصبرِ الطويل والقدرة على النقاش مع العميل. إضافة إلى الخبرة العمليّة التي لا تؤمّنها كلّ الجامعات خصوصا ً في سورية، حيث تطلبُ الشركات خبرة عمل تتمثل في وجوب خضوعِ الطالب لفترة تدريب “internship” قد لا يستطيع الكثير من الطلاب الحصول عليها لأسبابٍ تتعلق بمتطلباتِ الشركات والمكاتب الهندسية من الطلاب حتى يقدّموا لهم فترة تدريب، كما أنَّ للتحديات الماليّة دورٌ كبير. وبشكلٍ عام فإنَّ فترة التدريب تتطلبُ تفرّغاً من الطلاب وهي غالباً غير مأجورة.
في حالتِنا كسوقِ عملٍ سوري، قد نواجِهُ مشكلاتٍ تتعلّقُ بالاختصاصات، حيث أنَّ سوق العمل السوري شَرِهٌ فقط لاختصاصِ الهندسةِ الانشائيّة وإدارةِ المشاريع، مع ضعف الطلب نسبياً لباقي الاختصاصات. إضافة لِلّغةِ المستخدمةِ في التدريس، حيث التركيز على اللّغة العربية وهنا يهملُ العديد من الطلاب اللّغات الأخرى أكاديميّاً. وقد يواجِهُ السوريّون مشاكلَ تتعلق بالعقوبات، حيث يتم رفضُ العديد من طلباتِ التدريب أو التوظيف بسبب الجنسيّة، ففي بعضِ الأحيان قد يتم طلبُ جواز سفر بديل عن الجواز السوري، وفي بعض الأحيان قد يواجهُ الخريج الجديد مشاكل تتعلق بأنانية المعلومة واحتكارِها في فترةِ تدريبه.
وإحدى مشاكلنا الكبرى في سورية هي الأجور، فالمهندسين حديثي التخرج يحصلون على الحدّ الأدنى للأجور في سورية، وبسبب كون النسبة الأكبر من الخريجين يتوجهونَ نحو القطاع العام الذي يعاني المشكلات التي نعلمها جميعاً ماديّاً وعلمياًّ ومعنويّا ً، وحتى الخريجين الذين يحصلون على توظيف في القطاع الخاص فتبقى أجورهم أقل بكثير من أحلامِ المهندس ورواتب المهندسين عالميّاً.

ما هي الخطوات التي اتبعتها للاستعداد لممارسة هذه المهنة والحصول على الخبرة اللازمة؟ وما هي المهارات المهمة والمطلوبة للتطور في هذا المجال؟
في البداية يجبُ التركيز على المعدّل الجامعيّ بشكل أساسيّ، حيث تعتبرُ الشهادةُ الجامعيّة مع المعدّل بدرجةِ جيّد جداً شرطاً أوليّاً وأساسيّاً، ولكنَّ ذلك غيرُ كافٍ لوحدهِ لإيجادِ عملٍ جيد. حيث يتطلبُ خضوع الطالب في المرحلةِ الجامعيّة لدوراتٍ تدريبيّة فيما يتعلقُ بالبرامج الهندسية مثل “الأوتوكاد والايتابس والريفيت” وغيرها، فضلاً عن ضرورة الخضوع لتدريبٍ مهنيّ أثناء فترة الدراسة لتجاوز الفجوة بين التعليم الجامعي وسوق العمل، إضافةً للاطلاعِ على تنوّع اختصاصات الهندسة المدنيّة وكميّة الطلبِ عليها في مكان سوق العمل الذي يفكّر الطالب أن يعملَ فيه أو يسافر إليه. ويتطلبُ الأمر وضع خطّة كاملة للمستقبل سواء كانَ يفكر في العمل لدى مؤسسات عامة أو خاصة، أو تأسيس مكتب هندسيّ خاص حسب اختصاصه، أو الاتجاه نحو قطاع التعليم. فلكلّ منها اعتبار وخطّة وطريقة تأهيل ودراسة، حيث أنَّ الانتظار حتى التخرج لاكتساب الخبرة قد يؤخّر الخريج عن اكتساب الخبرة المطلوبة واللازمة، إضافة للسؤال المستمر حول كل شيء في المجال وللطالب الحقّ دائماً في السؤال بينما قد يُحرَج المهندس الخريج من توجيه الأسئلة في قطاع العمل.

ما هي مشاريعكَ المستقبليّة؟ ولماذا؟
مشاريعيَ المستقبليّة هي الاستمرار في التدريس الجامعيّ والوصول الى درجة الدكتوراه، إمّا باختصاصِ الهندسة البيئيّة لاهتماماتي ونشاطاتي البيئيّة أو إدارة المشاريع، فضلاً عن اكتساب الخبرة الميدانيّة في العمل حيث أنّ دكتور الجامعة أو حتى المُعيد يجب أن يكون على اطلاعٍ بتفاصيل العمل الميداني ومُلِمّ بخبرة المهندسِ المدنيّ الميداني أو كما يسمى مهندس الموقِع. فالتعليم مهنةٌ ساميّةٌ جداً، وللأستاذِ الجامعيّ امتيازات وحقوق أكثر من غيره في العديد من الدول وعلى عدة أصعدة.

ما هي نظرتُكَ المستقبليّة لهذا الفرع؟
أعتقد أنَّ فرعَ الهندسة المدنيّة باختصاصاته كلّها هو ضرورة لا تنقص أهميتها أو تزيد مع مرور الوقت، إنّما مع تغير الظروفِ لكل منطقة ودولة دون أخرى حسب متطلباتِ النمو، عدا اختصاص الهندسة المدنيّة البيئيّة فاعتقد أنّه سيزداد التركيز عليه عالميّاً وذلك بسبب التحديات التي يواجِهُها كوكب الأرض على الصعيد البيئي، فمع تسارعِ نقص عمرِ الحياةِ بالشكلِ الذي نعرفه على كوكبِنا، تزدادُ أهمية المهندس البيئيّ لإيجاد خططٍ واستراتيجيات جديدة للحفاظِ على كوكبِ الأرض الذي يتجهُ بالتلوثِ والإهمالِ البيئي في الهواء والبحار والتربة الى نقطة اللاعودة، حيث أنَّ المسألة البيئيّة هي تحدّ عالميّ جديد وضمن خطة الأمم المتحدة الإنمائية، فمقررات وتوصيات الأمم المتحدة ومقررات القمم العالميّة البيئية بحاجةٍ إلى جيوش من المهندسين البيئيين لإدارتِها وتنفيذها بالشكلِ الصحيح.

هل من الممكن أن توجّه نصيحة للمهتمين بهذا المجال؟
العلمُ لا ينقطع، والهندسةُ عموماً هي علمٌ ينبعُ كلّ يوم وبحاجةِ متابعة، فطالما هناك حياة على هذا الكوكب وحضارات تستمر بالنمو والتطور فهناك دراسة جديدة يجبُ القيام بها، وعلى المهندس أن يستمرَ بملاحقةِ الدراسات والأبحاثِ العلميّة والأكاديميّة في مجالهِ باستمرار، حيث كل يوم هنالك دراسات جديدة وطرائق جديدة للقيامِ بالمهماتِ الهندسيّة.

حدّثنا عن الجهات التي انتسبتَ إليها والكتاباتِ التي دونتَها فيها؟
بدأتُ بالتدوينِ والكتابة منذ عامين، وكتبتُ بعدة مواقع سوريّة، ثم كتبتُ في موقع “أراجيك”، ولديَ صفحة موقفة داخل مدونة “أراجيك”، اكتبُ فيها عن الهند والثقافات الهنديّة ورحلي في الهند. ثم كتبتُ في “رصيف22 “عدة مقالات، بعد ذلك أسسّتُ موقعي الخاصّ على موقع “وورد بريس”، أكتب فيه عن الثقافات والأديان الغريبة في الهند وهذا هو رابط الموقع:
http://yazanmuhanna.wordpress.com
كما شاركتُ بعدةِ مسابقاتٍ دوليّة حول التدوين، وحصدتُ تكريماً من منظمة “صنّاع السلام” التابعة للأمم المتحدة لواحدةٍ من المقالاتِ المميزة على مستوى العالم العربي. بالإضافة إلى مشاركتي في المناظرةِ الوطنيّة الهندية للشباب في عيد الجمهورية الهندي، وحصدتُ المركز الأوّل من أصل 600 مشترك من 30 جنسيّة، وبعد ذلك دُعيت لأكونَ حكماً في أكبر مناظرةٍ برلمانيّةٍ على النمطِ الآسيوي في العالم، بعد ذلك تلقيتُ اتصالاً من الهيئة الوطنيّة للتميّز والإبداع في سورية كي أقدّمَ محاضراتٍ للمناظرينَ السوريين في الهيئة.
بالإضافة إلى أنني متطوعٌ في جمعيتين تعنيان بالتغيّر المناخي، الجمعيّة الأولى هي “zenj leadership” والجمعيّة الثانية هيَ “جمعيّة جبلة لحماية البيئة”، كما أنني شاركتُ بمؤتمراتٍ وورشاتِ عملٍ بيئيّة تختص بالتوعية حول التغير المناخي والتلوث البيئي، ونحن حالياً نقوم بدراسةٍ لتنظيمِ مؤتمراتٍ طلابيّة تُعنى بالبيئة في الجامعات السوريّة. إضافةً لمساهمتي بالتشبيك بين جامعاتٍ هنديّة وجامعاتٍ سوريّة من أجلِ التعاون الأكاديمي والعلمي فيما بينها.

 

ماذا توجه نصيحة للقرّاء؟
لا يجب أنْ نسمحَ لأيّ ظرفٍ في الحياة سواء كان نفسيّاً، ماديّاً أو اجتماعيّاً أن يوقفَنا عن الاستثمارِ في أنفسِنا وتطويرِها، وفي اللحظةِ التي نتوقفُ فيها عن تطويرِ أنفسِنا فلن يطوّرَ فينا أحد ولن يستثمرَ فينا أحد، لذلك في كلّ الظروف وأصعبها أنصحُ الجميع بالاستثمار في قدراتِهم وتطويرِها على جميع الأصعدة.

ونحن بدورنا في مركز المهارات والتوجيه المهني نشكر المهندس يزن على مشاركتهِ تجربتَه، ونتمنى له دوام النجاح والتوفيق.

إعداد: مريم ناصر
تدقيق لغوي: مها اسماعيل
تصميم: علي حسن

 

 

Leave a Reply