" data-navigation-offset="75px" >

قصص نجاح ونصائح مُلهِمة | لينا فاضل

“حتّى أحلامي عندما أنامُ أصبحت باللغة الإنكليزية”، هكذا تكونُ النّتيجة عندما يمتزجُ حبُّ اللغة الإنكليزية مع الإتقان والإيمان بالعمل الذي تقومُ به، لأنّه “إذا أردتَ التميّز، فكلّ ما يتوجّب عليكَ فعله هو أن تحبّ وتتقنَ وتؤمنَ بما تفعل، وألّا تقارن نفسك بالآخرين”، كانَ هذا غيضاً من فيضٍ حدّثتنا عنه الدكتورة لينا فاضل الحاصلة على شهادتي الماجستير والدكتوراه في اختصاص اللغات وترجمة المؤتمرات الفوريّة من جامعة هيريوت وات في مدينة إدنبرة، فقد شاركتنا تجربتها المميّزة في سوق العمل، والتي سنشارِكُها معكم في هذا المقال استكمالاً لسلسلة مقابلات مع أشخاصٍ مميّزين وخبراء في سوقِ العمل.

معلومات عن الدكتورة لينا فاضل

مجال الدراسة

  • كليّة الآدابِ والعلومِ الإنسانيّة- قسم اللغة الإنجليزية – جامعة تشرين.
  • ماجستير ودكتوراه في اختصاص اللغات وترجمة المؤتمرات الفوريّة – جامعة هيريوت وات – إدنبرة.

مجال العمل

  • تعملُ حالياً بروفيسورة مساعدة في مجال منهجية البحث – جامعة هيريوت وات.

الدكتورة لينا فاضل

لمحةٌ عن اختصاصكِ الجامعيّ وعن الجامعة التي درستِ فيها

بدأتُ مسيرة دراساتي العليا في جامعة هيريوت وات في مدينة إدنبرة، وهي عاصمةُ اسكتلندا في المملكة المتحدة، حيث حصلتُ على شهادتي الماجستير والدكتوراه في اختصاص اللغات وترجمة المؤتمرات الفوريّة.

ما سرُّ اختياركِ دراسةَ هذا الاختصاص؟

لطالما كان شغفي بتعلّم اللغات كبيراً، وكانت اللغة الإنكليزية محطّ اهتمامٍ لي منذ الصّغر ومازال شغفي بها كبيراً اليوم، وبحكم حياتي هنا في بريطانيا، أصبحَتْ لغتي الأم الثّانية التي أستخدمها في مجال عملي وتواصلي مع الآخرين، حتى أحلامي عندما أنامُ أصبحت باللغة الإنكليزية.

ما هي العقباتُ التي واجهتْكِ أثناء مرحلة الدّراسة؟ وكيف تغلّبتِ عليها؟

العقبةُ الأساسيّة التي واجهتني في مرحلة دراستي الجامعية في سوريا عندما درستُ الأدب الإنكليزي في جامعة تشرين كانت غيابَ عنصر المحادثة بين الطلبة، لكنّني تمكّنتُ من التغلّبِ عليها بإيجادِ زملاء مهتمّين بالمحادثة أيضاً، حيث شكّلنا مجموعةً صغيرةً وقرّرنا ألّا نتكلّم إلّا باللغة الإنجليزية خلال أيّام الدّوام والمحاضرات.

أمّا العقبةُ التي واجهتْني بعد سفري للدّراسة في بريطانيا كانت محاولةَ التّأقلم مع طريقةٍ جديدةٍ في التعلّم، ونظامٍ جديدٍ ومختلفٍ عن نظامنا التّعليميّ في سوريا، فهنا في بريطانيا يكونُ الاعتمادُ كبيراً على الطّالبِ وجهدِ الطّالب الشّخصي، فالطّالب بالغٌ راشدٌ ولذلك فإنّ التّعلُّم هو عمَله ومهمّته وليس عملَ الأستاذ الجامعيّ فقط، فالأستاذ الجامعيّ يقدّم للطّالب العونَ ويعلّمه الأسسَ المبدئيّة والباقي متروكٌ له، شكّل هذا تحدياً إلى حدٍّ ما ولكن ليسَ إلى الحد الذي كنت أتخيّله.

إن دراستي الأدب الإنكليزي في سوريا على يدِ نخبةٍ من الأساتذة الجامعيّين الذين درسوا في بريطانيا والولايات المتحدة كان له الفضلُ الكبير في التحضير لهذه الرّحلة الشيّقة والمرحلة المفصليّة في حياتي، ولا أُبالِغُ إن قلتُ بأنّ لهؤلاء الأساتذة الكبار فضلاً كبيراً فيما وصلتُ إليه اليوم، ولهم تقديري ومحبّتي على الدّوام.

الأمر الآخر المهمّ الذي ساعدني على التّأقلم بشكلٍ كبيرٍ هو عدم الخوف من الفشل، والمحاولة مرّة بعد مرّة بعد مرّة حتى النّجاح، فأولئك الذين نجحُوا وقاموا بحصدِ الإنجازات لابدّ وأنهم خاضوا حروباً كثيرةً مع عقباتٍ كثيرةٍ وكبيرة ولم يتوقّفوا عن المحاولة حتى وصلوا إلى مقاصدهم وحقّقوا أحلامهم.

ما هو مجال عملكِ السّابق والحالي؟ وما الخطوات التي قمتِ باتّباعها للاستعداد لممارسة هذا العمل والحصول على الخبرة اللازمة؟

بعد تخرّجي عملتُ كمترجِمةٍ فوريّةٍ ومترجِمة تحريريّة لعدد من السنوات قبل أن أحصلَ على عملٍ دائمٍ في جامعتي ذاتها كبروفيسورة مساعدة في مجال منهجية البحث، هذا هو اختصاصي الحالي في مجال التدريس.

أما فيما يتعلّق بالبحث العلمي، فتركيزي منصبٌّ حالياً على دراسة الهويّة السّوريّة في المملكة المتحدة وأوروبا مع التّركيز بشكلٍ خاصٍ على مفاصِل أساسيّة منها الانتماء ولغة الحنين وإعادة تشكيل الوطن في المهجر والعودة الحسّيّة.

لربما يتساءل القُرّاء عن السّبب الذي دفعني لتغيير اختصاصي، الجواب بسيط: لم يكن بالأمر الصّعب، فدراسة الدكتوراه هنا تتطلب إلماماً واسعاً بمنهجيّة البحث، أما بالنسبة لمجال بحثي العلمي، فلربما كان السّبب الأساسي تأثّري الكبير بدراسة الأدب الإنكليزي في سنواتي الجامعية الأولى واهتمامي الكبير باللغات والثّقافات والأعراق على اختلافها، هذا بالإضافة إلى السّبب الأهمّ وهو عملي التّطوّعي مع العائلات السّوريّة التي لجأت لبريطانيا بعد الحرب، وإيماني بأنّ هناك دورٌ إيجابيٌّ كبير يمكن أن أقوم به بحكم وجودي في بريطانيا كباحثة سوريّة، قصّة طويلة ومعقّدة ولكن نهايتها سعيدة.

ما هي المهارات المهمّة والمطلوبة للتّطوّر في هذا المجال؟

لعبت دراستي للترجمة دوراً مهمّاً في صقل مهاراتي اللغوية، ولم يكن من السهل في بداية الأمر تعلّم مهاراتِ وخطواتِ الاستماع لخطابٍ باللغة العربية والقيام بترجمته إلى اللغة الإنكليزية في الوقتِ ذاته، ولكنّ التّدريبَ اليوميَّ والإصرارَ على النّجاح في الحصول على شهاداتي العلمية كانا كافيين لإيصالي إلى خطّ النّهاية، صحيح أن مجال عملي واختصاصي تغيّر في السنوات الماضية، ولكن دراستي التّرجمةَ كان لها فضلٌ كبيرٌ في تحصيلي مهاراتٍ لغويّة كثيرة وفي التحضير للقيام بأداء عملي الحالي.

في دراسة الأدب والتّرجمة يكون التّركيز على لغة وثقافةِ الآخر، وهذا من شأنه أن يوسِّع آفاق الطّالب ومدى تقبّله للاختلاف بجميع أطيافه، كما يدفعه إلى مساءلة القيم والمفاهيم الاجتماعية التي رافقته في مسيرته الحياتيّة، وإعادة النّظر في قناعاتٍ كثيرة، والأهم من هذا وذاك، تطويرُ القدرة على نقد الذّات بشكل مستمرٍّ فالتطوّر عملية مستمرّة والإنسان السّليم هو من يرحّب بالتّطوّر والتغيير ويسعى إليه بشكل دائم، هذا ما اختبرته في تجربتي الحياتيّة الخاصّة.

ما هي العقبات التي واجهتْكِ أثناء مرحلة العمل؟ وكيف تغلّبت عليها؟

بريطانيا بلدٌ يركّز على العمل بشكل كبير قد يصل في حالات كثيرة إلى حدّ الإدمان. هناك دائماً سباقٌ محمومٌ لتحقيق إنجازاتٍ أكبر وبأسرع وقت ممكن، كما أن هناك تركيزٌ على التّغيير والتّطوير بشكل دائمٍ، والمجال الأكاديميّ متعبٌ أيضاً، ساعات عملٍ طويلةٌ ومرهقةٌ وتركيز على الجودة في مجال التّدريس والبحث العلمي، مع أنّني أحبّ عملي إلى حدّ كبير، وأشعر بأنّني محطّ تقدير رؤوس العمل على نشاطي واجتهادي وإنجازاتي، إلا أنني أتمنّى لو أنّ وتيرة الحياة لم تكن بهذه السرعة أحياناً، أعلمُ أنني لستُ وحيدةً فكل أصدقائي ومعارفي الشّرق أوسطيين وحتى الأوروبيين من بلدان حوض المتوسط كالإسبان والإيطاليين يشاطرونني الرأي، فكلّنا جئنا من بلاد الشمس ونشتركُ في توقِنا إلى إيقاعات مختلفة بعض الشيء عما تقدّمه الحياةُ لنا هنا.

كَمُنَ التّحدي الآخر في العمل والانسجام مع زملاء قَدِموا من كافّة أنحاء العالم وتعدّدت جنسيّاتهم وميولهم، أُسمّي هذا تحدّياً وليس عقبةً، لأنه كان أمراً ممتعاً أيضاً وتعلّمتُ منه الكثير، لكنه بدايةً كان مدعاةً للتأمّل والعمل الجادّ بهدف الانسجام مع الآخر من دون التّماهي وفقدان الهوية.

دراستي اللغات والثّقافات باختلافِها ساهمَتْ إلى حدّ كبير في تحضيري لذلك، وكان الأمر ممتعاً للغاية لأنني بطبيعتي منفتحَةٌ ومتقبِّلة لاختلاف الآخر، وأؤمن بأنّ التّطوّر على المستوى الفردي والمجتمعي مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بتقبّلنا للآخر المختلِف عنا والتعلّم منه ومن تجاربه الحياتية أكثر منه بارتباطنا بمن يشبهنا.

ما هو الحافزُ الذي دفعكِ للتميّز في هذا المجال؟

أمّا بخصوص ما يدفعني للتميّز في عملي ومجالي المهني، فالجوابُ بسيط، إذا أردتَ التميّز فإنّ التميّز لا يجب أن يكون الهدف والدافع، إذا أردت التميّز، فكلّ ما يتوجّب عليك فعله هو أن تحبّ وتتقنَ وتؤمن بما تفعل وألّا تُقارن نفسك بالآخرين، التميّز غالباً ما يكون نتيجة التّركيز على هذه الأساسيات أكثر منها على هدف التميّز بحد ذاته.

أنا أحبّ عملي بشكل كبير وأعمل بجدّ كبير أيضاً، ونتيجة لذلك أحصدُ نجاحاتٍ صغيرةٍ بين الحين والحين، الأمرُ يتطلّب وقتا وجهداً، وعليه فإنّ المثابرةَ والصّبرَ أمران مهمّان بشكلٍ كبيرٍ.

ما أهميّة هذا الاختصاص في سوق العمل المحليّ والعالميّ؟

إن امتلاكَ مهاراتٍ لغويّة جيّدة بغضّ النّظر عن الاختصاص هو أمر مهمّ للغاية في سوق العمل، سواءً كانت تلك المهاراتُ في مجال اللغة الأم أم اللغات الأجنبية، ومفتاحُ النّجاح في سوق العمل سواءً كان محلياً أم عالمياً يبدأُ بالقدرة على التّواصل مع الآخرين وفهم احتياجاتهم والقدرة على تلبية هذه الاحتياجات ولو كان ذلك بشكل حسيّ غير ملموس، كجعل الآخر يشعر بالأمان عند التواصل معنا وعدم الخوف من قيامنا بالحكم عليه، كلّ هذا يبدأ باللغة والقدرة على التواصل مع الآخر، سواء كان هذا الآخر أحد أولاد حارتنا أم شخصاً من بلد آخر.

من قدوتُكِ في الحياة أو من هم الأشخاصُ المؤثّرون في حياتك؟

أسألُ نفسي هذا السّؤال بشكلٍ دائم، ربّما لأنّني كلما تقدّمتُ في العمر وعشتُ تجارب جديدةً تغيّرت نظرتي للحياة وتغيّرت أحلامي وأهدافي وتغيّرتُ أنا أيضاً بالمحصّلة.

القدوةُ عاملٌ مهمٌّ للغاية وغالباً ما يكون له أثرٌ كبيرٌ في بناء وصقل الشّخصية، ولكنّ هذا العامل يتغيّرُ أيضاَ مع مرور الوقت، والحقيقة هي أنّه يجب أن يتغير، فقدوتي عندما كنتُ في العاشرة من عمري مختلفةٌ عن أولئك الذين يؤثّرون بي الآن وأنا في العقد الثالث من عمري، وهذا أمر طبيعيّ، لا وبَل يُعتَبَرُ ذلك ضروريّاً، أمّا عن قدوتي في الحياة، لا أعتقد بأنه بإمكاني اختيار شخصٍ معيّن، فالصّفات الشّخصيّة هي ما يجذبني أكثر بغضّ النّظر عن الشّخص والزّمان والمكان، وعليه فإن قدوتي في هذه الحياة هي كلّ شخصٍ يتمتّعُ بالصّلابة وقوة الإرادة، ومن لا يسمحون لظلمِ البشر والحياة أن يمنعَهم من الابتسام، أولئك الذين يسعون إلى تطويرِ أنفسهم بشكل دائمٍ، أولئك الذين  يؤمنون بقضيّة أو مبدأ أو حلمٍ ويعملون بجدٍّ لتحقيقها، أولئك الذين لا يُقيِّمون الآخرَ ويحكمون عليه تحت أي ظرف، أولئك الذين تراوِدُهم الشّكوك بين الحين والحين فيبدؤون رحلةَ بحثٍ جديدة عن أجوبةٍ جديدةٍ لأسئلة قديمة ظنّوا أنّهم عرفوا أجوبتها، فالشّك دليلٌ على مراجعة الذّات، وأولئك يسعون لتطوير ذواتهم بشكلٍ دائمٍ.

يؤثر بي جداً أولئك الرّومانسيّون الحالمون رغماً عن أنف الحياة، أما المثقّفون المتواضعون وأولئك الذين يعشقون الكتبَ ويقرؤون بِنَهَمٍ، فأولئك لهم مكانةٌ خاصّة لديّ.

ما النّصيحة التي تريدين توجيهَها للطّلّاب الذين يدرسون هذا الاختصاص ولطلّاب المرحلة الثّانوية الذين يرغبون بدراسة هذا الاختصاص؟

قبل البدء بدراسة أيّ اختصاص، يجب أن تسألوا أنفسكم: هل هذا الاختصاص هو ما نرغبُ دراستَه بالفعل؟ وهل سيمكِّنُني هذا الاختصاص من أن أكون حيث أريد أن أكون بعد إتمام دراستي الجامعية، أي بعد أربع أو خمس سنوات؟

لا تُقدِموا على دراسة اختصاصٍ لا يثير فضولكم، فالفضول أمرٌ بغاية الأهمية وهو محرّك للتّطوّر ليس على المستوى الشّخصيّ وحسب بل أيضاً على مستوى الشّعوب والحضارات، إذا كنتم مُحبِّين للغات أو لدراسة التّرجمة كعلمٍ نظريٍّ وتطبيقيٍّ عليكم إذاً أن تكونوا طلبةً تتمتّعون بقدرٍ من الاستقلاليّة العمليّة، ما أقصده بهذا هو ضرورة الانسلاخ عن فكرة الطّالب المتلقّي والنّظر إلى أنفسكم على أنّكُم باحثون قادرون على إنتاجِ المعرفةِ وليس استهلاكَها فقط.

للقيام بذلك أنتم لا تحتاجون إلى الكثير، يمكنكُم على سبيل المثال الاستماعُ إلى الأغاني وقراءة مقالات باللغة الإنجليزية أو متابعةُ صفحاتٍ باللغة الإنكليزية على مواقع التواصل الاجتماعي، إن كنتم راغبين بدراسة الأدب الإنجليزي أو اختصاصات مشابهة. ولا تتوانوا عن مخاطبة زملائكم باللغة الإنكليزية بهدفِ ممارستها على مدى سنوات الدّراسة حتى لو قمتم بارتكاب الكثير من الأخطاء، وابحثوا عن زملاء يشاركونكم طريقة التّفكير والنّظرة إلى الحياة، و أحيطوا أنفسكم بأولئك الذين يرغبون بالتطوّر أيضاً ويتمتّعون بِكَمٍّ كافٍ من الإيجابيّة، واقرؤوا كتباً كثيرة بالعربيّة وأيّ لغاتٍ أخرى تعرفونها، حتّى لو لم تكن في نفس مجال اختصاصكم، أنا على سبيلِ المثال أعشقُ الكتب والقراءة وأواظب عليها بشكلٍ دائمٍ، إنها ما يساعدُني على الاسترخاء عندما تزيدُ الضّغوط وتُمكِّنني من تطوير معرفتي وفهمي للعالم وللآخرين.

نتمنّى أن تكون تجربة الدكتورة لينا فاضل مُلهِمةً لكم، وحافزاً للسّعي إلى التّميّزِ في دراستِكُم وعملِكُم. لإضافة استفسارات مراد الإجابة عنها في مقالات لاحقة يرجى إدراج السؤال بالنقر على هذا الرابط.

إعداد: مرح محمد
تدقيق لغوي: زينب ناصر

Leave a Reply