" data-navigation-offset="75px" >

التأقلم مع التغيير، والاستثمار الأمثل للمواقف العصيبة

إن التغيير أمر محتوم، يكون إيجابياً أحياناً كتطور العمل أو زيادة الراتب، وفي أحيانٍ أخرى يكون مؤلماً كفقدان عمل أو خسارة على الصعيد الشخصي.

غالباً ما تكون التغييرات غير المتوقعة والخارجة عن السيطرة هي الأصعب في الفهم والتكيف- ركود اقتصادي، وباء عالمي، أو كارثة كبرى مثلاً. قد تكون التغييرات الجسيمة كهذه صعبة التقبل، لكنكم ستجدون بأن تجاربكم هذه قد تصبح أفضل أو أسوأ اعتماداً على ردود أفعالكم وتصرفاتكم.

في هذه المقالة سنستعرض الأساليب المختلفة التي يتبعها الأشخاص في التأقلم مع التغيير وردود الأفعال التي قد تتولد لديهم وكيفية التعامل الأمثل مع ذلك.

كيف يتأقلم الأشخاص مع التغيير؟

يميل الأشخاص للتأقلم مع التغيير عبر إحدى الطريقتين التاليتين:

  1. التأقلم بالهروب Escape coping
  2. التأقلم بالتحكم Control coping

التأقلم بالهروب

إن التأقلم بالهروب يعتمد على التجنب. أنتم تقومون بأفعال متعمدة لتتجنبوا مصاعب التغيير. على سبيل المثال، قد تتغيبون بشكل مقصود عن التدريب على إجراءات جديدة في العمل، أو تصلون متأخرين لحضور اجتماع حول إعادة هيكلة مرتقبة.

ربما قد تتخلصون من رسائل قسم الموارد البشرية المتعلقة بالتسريح من الوظيفة، أو تتجاهلون مكالمات زميلكم الذي حصل على الترقية التي كنتم ترغبون بها، ويجد بعض الاشخاص ملاذاً في تناول الكحول أو المخدرات حتى.

التأقلم بالتحكم

من جهة أخرى، يكون التأقلم بالتحكم إيجابياً ومبادراً. أنتم ترفضون التصرف كضحية للتغيير وبدلاً من ذلك فإنكم تتحكمون في مشاعركم، تحصلون على الدعم، وتقومون بما تستطيعون لتكونوا جزءاً من التغيير.

في الواقع، يستجيب معظمنا للتغييرات الكبرى بمزيج من التأقلم عبر التحكم والهروب معاً، لكن التأقلم بالتحكم هو الاختيار الأفضل عموماً،

لأنه من المستحيل أن يتجنب المرء حقيقة التغيير لفترة طويلة دون أن يصاب بالإرهاق أو أن يقوم بتدمير سمعته.

مراحل الاستجابة للتغيير

يمكن للتغيير أن يكون صعباً لأنه يشكل تحدياً لأسلوب تفكيرنا وعملنا وطبيعة علاقاتنا وحتى سلامتنا الجسدية وشعورنا بهويتنا. عادة ما تتم الاستجابة للتغيير عبر أربع مراحل:

  1. الصدمة وعدم التوجه.
  2. الغضب والردود العاطفية الأخرى.
  3. التصالح مع الوضع “الطبيعي” الجديد.
  4. القبول والتقدم إلى الأمام.

لكن نادراً ما يكون السير عبر هذه المراحل سهلاً أو خطياً، فقد نبقى عالقين في مرحلة ما، وقد نتقدم بسرعة ومن ثم نتراجع، ولا توجد عادة خطوات واضحة حاسمة للانتقال من مرحلة إلى أخرى، فقد تتحول الصدمة إلى غضب دون وجود حد فاصل واضح بين المرحلتين.

والآن دعونا نلقي نظرة على المراحل الأربعة بشيء من التفصيل:

المرحلة الأولى: الصدمة وعدم التوجه

إن مواجهة تغيير كبير مفاجئ قد تجعل المرء يشعر وكأنه تعرض لصفعة حقيقية. على سبيل المثال، قد تتسبب أزمة مالية عالمية بخسارات جسيمة وإقالة الكثيرين، وقد يسلب ذلك منكم المنزلة والعلاقات التي قمتم بتطويرها عبر السنين، ما يقود لعدم الاستقرار. وكذلك قد يسبب فقدانكم لشخص عزيز أو تعرضكم لمشكلة صحية تغييراً في جوهر نظرتكم للحياة.

من المرجح أن تشعروا في المرحلة الأولى من التأقلم بالحيرة وعدم التأكد. يجب أن يكون الحصول على معلومات موثوقة والفهم الجيد للموقف في مقدمة أولوياتكم.

اطلبوا الحصول على آخر المستجدات من مديركم أو من قسم الموارد البشرية، وابحثوا في تجارب الآخرين المشابهة لحالتكم، وتحدثوا عما يقلقكم مع عائلتكم وأصدقائكم. تواصلوا مع مجموعة موارد الموظفين أو أية مجموعات دعم ذات صلة إن كان ذلك متاحاً. احرصوا على إبعاد أنفسكم عن الثرثرة والإشاعات، فغالباً ما تكون سلبية ولا أساس لها، ومن المرجح أن تسبب لكم المزيد من الألم والقلق ليس إلا.

قد يساعدكم إجراء SWOT analysis في تحري مستوى التهديد الذي تواجهونه بشكل موضوعي. هل هنالك فوائد محتملة قد غفلتم عنها؟ أيمكن للتغيير المفروض في وظيفتكم أن يسمح لكم بتعلم مهارة جديدة قيمة أو العمل مع أشخاص جديدين مثلاً؟

من المرجح ألا تصلوا لأية استنتاجات مؤكدة في هذه المرحلة، لكن حاولوا أن تبقوا إيجابيين قدر استطاعتكم.

المرحلة الثانية: الغضب والردود العاطفية الأخرى

يستبدل عدم التوجه المبدئي تجاه أفق التغيير بموجة من المشاعر القوية. قد تشعرون بالغضب حول تخفيض منزلتكم في العمل، أو الخوف من الأثر الذي سيحمله التسريح من الوظيفة على عائلتكم.

وحتى إن كان هذا التغيير في الظروف شيئاً قد قمتم بأنفسكم بالحث عليه، فقد تجدون أنفسكم تتأرجحون بين التشاؤم والتفاؤل. إن هذا أمر طبيعي للغاية وخطوة عادية في سبيل تسوية الموقف.

من المهم أن تتجنبوا كبت مشاعركم، ولكن من المهم أيضاً أن تتحكموا بها. لذا اعترفوا بما تشعرون، ولكن احرصوا على تقييم الأمور التي يمكنكم التعبير عنها في العلن (كتعليقات عامة حول تقدّم مشروعٍ ما) وما ينبغي أن تبقوه لأنفسكم غالباً (كرأيكم في أداء زميل لكم مثلاً).

في الوقت المناسب، قد يساعدكم نموذج التعامل ل لازاروس وفولكمان Lazarus and Folkman’s Transactional Model في بناء تصور مجرد حول وضعكم وكيفية المتابعة. في هذه الأثناء، لا تشعروا بالمفاجأة أو الإحراج إن وجدتم أنفسكم تبكون في مكان العمل، فذلك رد فعل طبيعي لحالة الحيرة والارتباك التي غالباً ما تتلو التغييرات المفاجئة.

المرحلة الثالثة: التصالح مع الوضع “الطبيعي” الجديد

ستبدؤون غالباً خلال هذه المرحلة بتحويل تركيزكم عن الأشياء التي خسرتموها تجاه الأمور الجديدة القادمة. قد تكون هذه العملية بطيئة وقد يكون المرء متردداً في الإقرار بها، لكنها جزء أساسي من التأقلم مع التغيير. الأمر الرئيسي هنا هو الالتزام بالمتابعة والنظر إلى الأمام.

ابدؤوا باستكشاف معاني هذا التغيير بشكل أعمق. قد تميلون بشكل غريزي لأن تتصرفوا بطريقة ساخطة وألا تكونوا مستعدين للتعاون، لكن ذلك قد يجلب الأذى لأنفسكم وللآخرين، لذا ابحثوا عن النواحي الإيجابية لأوضاعكم المتغيرة وشددوا عليها. في الوقت نفسه كونوا صبورين وتذكروا أن التصالح مع واقع التغيير عملية تدريجية.

تنبيه: من المهم للغاية عدم التظاهر بأن كل شيء على ما يرام إن لم يكن كذلك فعلاً، لذا إن وجدتم أنفسكم تعودون للتراجع نحو المرحلة الثانية فامنحوا أنفسكم بعض الوقت للتعافي. استخدموا العبارات التأكيدية الإيجابية لتحسين ثقتكم بأنفسكم، واطلبوا المساعدة من الأصدقاء أو المرشدين.

المرحلة الرابعة: القبول والتقدم إلى الأمام

هذه هي المرحلة حيث يتقبل المرء بشكل كامل ظروفه المتغيرة.

لا يعني القبول أن تتخلوا تماماً عن وضعكم السابق، فأنتم تمتلكون ذكريات وعلاقات ومهارات قيّمة ستحملونها معكم عندما تتقدمون إلى الأمام، سواء كان ذلك في مهنتكم أو في نطاق حياتكم الأوسع.

قوموا بإعداد بيان مهام شخصية وبيان إنجازات سابقة لتبقوا ملتزمين بمخططاتكم، ثم حددوا لأنفسكم أهدافاً وضعوا خطط عمل لتستفيدوا من الوضع الجديد بالشكل الأمثل.

النقاط المفتاحية

للتغيير أشكال عديدة، لكن تقريباً دائماً ما يكون ترك الأمور التي نعرفها واعتدنا عليها صعباً ومقلقاً، حتى إن كنا نحن من قمنا بإجراء التغيير بأنفسنا.

تقع استراتيجيات التأقلم في فئتين اثنتين بشكل عام: “الهروب” و “التحكم”. يستخدم معظم الأشخاص خليطاً من كليهما في عملية التأقلم مع التغيير، لكن تبقى استراتيجيات التحكم الوسيلة الأصح للتعامل مع التغيير بشكل عام وتقدم الفوائد الأعظم على المدى الطويل.

نميل للاستجابة للتغيير من خلال أربع مراحل رئيسية:

  1. الصدمة وعدم التوجه.
  2. الغضب والردود العاطفية الأخرى.
  3. التصالح مع الوضع ‘الطبيعي’ الجديد.
  4. القبول والتقدم إلى الأمام.

من المرجح أن يتقدم المرء عبر هذه المراحل بنجاح إن اعترف بمشاعره، استكشف الوقائع، بقي إيجابياً، استعان بشبكات الدعم التي يمتلكها، وأعطى نفسه الوقت اللازم للتكيف.

المصدر

ترجمة: لجين شامي

تدقيق: م. هبة الله الدالي

Leave a Reply